ابن عربي

64

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 77 إلى 85 ] أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) [ كيف يحشر المتقون إلى الرحمن ؟ ] معلوم أنه لا يحشر إلى شيء من كان عند ذلك الشيء ، ولا يحشر الرحمن إليه إلا من ليس عنده من حيث هذا الاسم الخاص ، وهو عنده من حيث حكم اسم آخر غير هذا الاسم ، فالعين التي تحشر منها هي العين التي تحشر إليها وبعينها ما وصفت به ، فانظر أي اسم يكون مشهود المتقي فما تجده الرحمن ، وإن كان معه في حال اتقائه ، ولكن تحشر إليه لينفرد بك دون أن يكون لاسم آخر تصرف فيك ، والمتقي هو الحذر الخائف الوجل ، ولا يكون أحد يشهد الرحمن الرحيم الرؤوف ويتقيه ، وإنما مشهود المتقي السريع الحساب الشديد العقاب المتكبر الجبار ، لأن الاتقاء والخوف من حكم المتقى منه ، فكان المتقي في حكم أمثال هذه الأسماء الإلهية فيتقي ويخاف ، لأن المتقي ما هو جليس الرحمن ، إنما هو جليس الجبار المريد العظيم المتكبر فيتقي سطوته ، والاسم الرحمن ماله سطوة من كونه الرحمن ، إنما الرحمن يعطي اللين والعطف والعفو والمغفرة ، فإن الرحمن لا يتّقى ، بل هو محل موضع الطمع والإدلال والأنس ، فلذلك يحشر إليه من الاسم الجبار الذي يعطي السطوة والهيبة ، فإنه جليس المتقين في الدنيا مع كونهم متقين ، فالمتقي جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد ، فسمي جليسه متقيا منه ، فيحشره اللّه من هذا الاسم إلى الاسم الإلهي الذي يعطيه الأمان مما كان خائفا منه ، وهو الرحمن ، فقال « يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً » أي يأمنون مما كانوا يخافون منه ، قال صلّى اللّه عليه وسلم في حديث الشفاعة